
ماذا لو كانت أمي فاطمة لا تزال على قيد الحياة؟ يقشعر جلدي! هذا رجاء مستحيل. في لحظةٍ – امتزج فيها الواقع بالخيال – تمنيت، وقد قفزتُ على حواجز الزمن، أن تُبعث الجدة الطيبة من جديد. “الميمة” العزيزة، كما كنا نسميها، بملامحها الرقيقة التي تنبئ عن جمال غابر، ماتت قبل اثنتي عشرة سنة. لتشملك رحمة الله الواسعة، أيتها السيدة المغربية الشفيقة.
أسميها جدتي مجازاً – شاعرا بعمق الكلمة بصدقٍ لا تشوبه شائبة – وإن كانت حقيقةً جدة زوجتي. لكن مشاعر الحب تجتاح القلب كالطوفان، لا تسأل ولا تستأذن. ولقد كنت أحبها حقا كما يحب حفيد جدته.
وكان منتهى العطايا التي غمرتني بها أنها منحتني الحب الصادق، المُتخفّف من أثقال حسابات الربح والخسارة. علمتني الجدة الرقيقة “معنى” أن أكون إنسانا.. خامًّا.. يتحقق بشروط إنسانيته. و”معنى” أن أكون مغربيا.. خالصا.. يعشق تراب البلد وهواءه وناسَه. وذاك هو لبُّ السؤال!
في ذلك المساء، اضطربتْ صورُ الذكريات في مخيلتي تريد أن تخرج من شرنقة الخيال لتبعث على الورق كلماتٍ من لحم ودم. ألحت عليَّ الكتابة وشغلتني عنها الشواغل.
واليوم، وقد أسعفتني القريحة – أرجو ذلك حقا – تعالوا أروي لكم قصة ذلك الرجاء المستحيل.
قرب نافورة المياه المضيئة، توقفنا نلتقط الصور. طلبتُ من زوجتي أن تتحيَّن صعودَ المياه الملونة فتُخلِّد اللحظة كأنَّ يدي تعانق أعمدة الماء. وكذلك فعَلتْ، وإن كرَّرتْ على مسامعي أن هذا التمرين الصعب الذي تخوضه في كل زيارة لهذا الفضاء التجاري لم يَعُد له من داعٍ وقد التقطنا – خلف الديكور نفسه – عشرات الصور.
قلت لها إن الصورة ليست “ديكورا” فحسب.
عَقَّبتْ، كأنها ترغب في حسم النقاش بـ”العبارة الفاصلة”:
– هي تُخلِّد “إحساس اللحظة”.
– تعرفين ذلك يا زوجتي الجميلة؟
– حفِظتُه يا زوجي الوسيم.
ثم انفرجت أساريرنا معاً، ضاحِكَيْن من هذا “الحوار المسرحي” الذي جاء عفو الخاطر يكسر عناء جولة التسوق المرهقة. في هذه الأثناء، اختلط صوتٌ آتٍ من بعيد بصوتِ المياهِ المتدفقة فلم أتبيَّن – على وجه الدقة – ما يقول الرجل الواقف قبالتي.
اقتربتُ قليلا، فسمعتُ الكلمات واضحة:
– صورة عافاك.
أنهيت التقاط الصور، فباغتني الرجل بعبارة بدت خارج السياق، بعيدة عن عبارات المجاملة المعتادة:
– عيدنا مبروك أخويا.
قلت مبتسما:
– كل أيامنا أعياد إن شاء الله.
كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساء. وكان المساء رائقا مثل مساءات الرباط الوديعة. بدا الرجل سعيدا. وسرعان ما انطبعت مشاعر الفرح، المرتسمة على ملامحه، على كلماتنا المتبادلة. بهجة مُعدية، مفاجئة خيمت على الأجواء.
قال الرجل البشوش، وقد التمعت عيناه ببريق غريب، يحدث سيدة على جانب الطريق:
– ألم أخبركِ للتو؟ قولي لهما..
أخرجتُ هاتفي من حقيبتي الصغيرة. ثم بنقرة واحدة، قرأت الخبر السعيد: صاحب الجلالة يقرر جعل 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت إسم “عيد الوحدة”.
قدحت الصدفة البحتة وعامل التشويق عند حديثنا مع الرجل، وقد بدت مشاعره أقوى من كلماته، في نفسينا، زوجتي وأنا، نشوةً لا توصف. سمها نشوةَ النصر.. نشوة اللقاء بعد غياب طويل.. سمها نشوةً مجتاحةً كأنها السيل الهادر.. فرحٌ آسر. بل هما فرحان تضافرا: فتح مبين بالإنجاز التاريخي العظيم وسعادة غامرة بالعيد المجيد.
في هذه الأجواء المفعمة بالعاطفة، اطلعت على الخبر. بمحض الصدفة في فضاء تجاري، من فم مغربي أصيل قرأ الخبر فراح يجول في الأروقة، لا تسعه أرض ولا سماء، تسبقه مشاعره ولا ينطلق لسانه.
ولذلك، سيظل هذا الحدث راسخا في ذهني لا تبليه الأيام. شأن “جمعة الحسم”، يوم التصويت على قرار مجلس الأمن، حين رأينا – عيانا – ومعنا العالم بأسره، كيف تحولت الرؤية الملكية العبقرية إلى سياسات فاعلة وكيف تُرجِمت الفاعلية إلى إنجازات ملموسة.
ومثلما كثَّفت تلك الجمعة كل معاني التفرد المغربي، كثف هذا الثلاثاء كل مشاعر الفخر بالانتماء إلى هذا الوطن العزيز.
ثم – فجأة وبلا سابق إنذار – تذكرت أمي فاطمة.. ماذا لو كانت لا تزال على قيد الحياة؟ رأيت العينين، في مخيلتي، أول ما رأيت. الحدقتان تتسعان دهشةً وإعجابا. والفم ينفتح عن ابتسامة لطيفة سرعان ما تصير صاخبة. والكف رأيته يضرب الكف.
وددت فقط أن أرد لها الجميل. أن أخبرها أن تضحياتها – ومعها تضحيات جميع المغاربة – لم تذهب سدى. أن أقول لها إننا نعيش اليوم زمن المرحلة الفاصلة والمنعطف الحاسم. وددت فقط لو حدثتها عن الحاضر المشرق وقد حدثتني طويلا عن الماضي المجيد، يوم كانت تناضل في صفوف المقاومين زمن الاستعمار، ويوم حملت أغراضها وقطعت مسافات بعيدة رفقة المتطوعين في المسيرة الخضراء.
لكم حدثتني “الميمة” العزيزة عن المسيرة الخضراء، بكل الحب الذي تختزنه قلوب الأمهات مجتمعات، حتى لكأني ماضٍ معهم في المسيرة، أشاركهم موائد الطعام وأشدو بالأهازيج الشعبية، أمتطي الشاحنة حينا وأترجل أحيانا.
وددت أن أقول لها إن جلالة الملك جاءنا بالبشرى، فقال جلالته، في خطابه السامي: “إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفا حاسما، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده”.
رجوت حقا لو كانت بيننا اليوم!
ولكن عزائي، يا أمي فاطمة، أن أمنيات الرعيل الأول باتت اليوم بشائر خير متوالية.
<