الصيد البحري بالأقاليم الجنوبية يجسد الرؤية الملكية للتنمية الشاملة

قالت زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المكلفة بالصيد البحري، إن قطاع الصيد البحري يشكل اليوم رافعة إستراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مضيفة أن “الأقاليم الجنوبية أصبحت نموذجا للتنمية المندمجة التي تجمع بين تثمين الموارد البحرية، وتأهيل البنيات التحتية، وتعزيز العدالة المجالية، وترسيخ السيادة الوطنية”، ومؤكدة أن “الإنجازات المحققة خلال السنوات الأخيرة، سواء في البنية الصناعية أو تربية الأحياء البحرية أو تطوير الموانئ، تؤكد قدرة المغرب على تحويل موارده البحرية إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة”.

وأوضحت الدريوش، في حوار خاص مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري تعتمد على رؤية شاملة تجمع بين حماية البيئة البحرية وتنمية الاقتصاد الأزرق، مشيرة إلى أن “مختلف البرامج والمبادرات، من إستراتيجية أليوتيس إلى المخطط الأزرق، صممت لتعزيز الاستدامة البيئية، وتطوير الكفاءات، وتحقيق مناصب شغل للشباب والنساء، مع إدماج التكنولوجيا الرقمية في منظومة التسويق والتثمين”.

كما شددت المسؤولة الحكومية على الدور الريادي للمغرب في تعزيز التعاون البحري مع الدول الإفريقية المطلة على الأطلسي، موضحة أن “مبادرة الحزام الأزرق تعكس التزام المغرب بدعم التنمية المشتركة، وتسهيل وصول الدول الإفريقية إلى الموارد البحرية، الشيء الذي يعزز الاقتصاد الأزرق المستدام ويكرس الشراكة جنوب–جنوب على أساس المسؤولية والتضامن”.

وسجلت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري أن موانئ الأقاليم الجنوبية، وخصوصا ميناء الداخلة الأطلسي، تمثل ركيزة إستراتيجية للتموقع الجيو-إستراتيجي للمغرب، مؤكدة أن “هذه الموانئ لا تقتصر على تعزيز التجارة الدولية والصيد البحري، بل تشكل منصات لإنتاج السيادة الاقتصادية والاندماج في سلاسل القيمة العالمية، التي تجعل من الأقاليم الجنوبية قلبا نابضا للتنمية البحرية وجسرا يربط إفريقيا بأوروبا في فضاء الأطلسي”.

نص الحوار:

كيف تواكب الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري التوجهات الملكية السامية لتنمية الأقاليم الجنوبية، خصوصًا ما يتعلق بتثمين الثروة السمكية وتحقيق العدالة المجالية؟

في الواقع تنسجم الإستراتيجية الوطنية للصيد البحري بشكل تام مع التوجهات الملكية السامية التي تروم تحقيق تنمية شاملة ومنصفة بالأقاليم الجنوبية للمملكة. هذه الإستراتيجية اعتمدت منذ انطلاقها مقاربة شمولية تضع في صلب أولوياتها تثمين الثروة السمكية وخلق فرص الشغل وضمان العدالة المجالية، انطلاقا من مبدأ أساسي يقوم على توجيه الثروات البحرية لخدمة التنمية المحلية وتمكين الساكنة من الاستفادة العادلة من عائداتها.

وقد تعزز هذا التوجه أكثر بعد القرار التاريخي الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي كرس مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كحل واقعي ونهائي للنزاع الإقليمي. فهذا القرار أتى ليواكب واقعا تنمويا ملموسا في الأقاليم الجنوبية، حيث تشهد هذه الجهات زخما من المشاريع التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، خصوصا في قطاع الصيد البحري الذي يُعدّ أحد ركائز الاقتصاد المحلي بهذه المناطق.

لقد أسهمت المشاريع المندمجة في القطاع بشكل فعّال في خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، مع إعطاء الأولوية لأبناء المنطقة من خلال برامج التكوين والتأهيل المهني، إلى جانب تشجيع مشاركة النساء والشباب في سلاسل الإنتاج والتثمين؛ وهذا ما يُجسد فعليا العدالة المجالية التي تقوم عليها الإستراتيجية.

وفي السياق نفسه نحرص على أن تكون تنمية القطاع مبنية على منطق الاستدامة وحماية المخزون البحري، من خلال تفعيل مخططات تهيئة المصايد، ومراقبة أنشطة الصيد لمحاربة الاستغلال المفرط، وتشجيع الاستثمار في تربية الأحياء المائية، خاصة في جهة الداخلة التي أصبحت نموذجا وطنيا للاندماج الاقتصادي والتنمية الترابية المستدامة.

أما من حيث الأرقام فهي تُبرز بشكل واضح أثر هذه الإستراتيجية، فقد ارتفعت الكميات المصطادة ما بين 2008 و2024 بنسبة سنوية بلغت 2.6% من حيث الحجم و7.2% من حيث القيمة، لتنتقل من 756 ألف طن إلى 1.14 مليون طن، ومن 3.4 مليارات درهم إلى أزيد من 10 مليارات درهم. كما ارتفع عدد وحدات صناعات الصيد من 144 إلى 186 وحدة، بنسبة نمو بلغت 29%.

أما الصادرات فبلغت سنة 2024 حوالي 556 ألف طن بقيمة 13.2 مليار درهم، أي بمعدل نمو سنوي قدره 8.3%. وعلى مستوى التشغيل ارتفع عدد مناصب الشغل المباشرة في صناعات الصيد من 10 آلاف سنة 2008 إلى حوالي 34 ألف منصب سنة 2024، أي بزيادة سنوية تقارب 8%.

كما تطورت الاستثمارات في صناعات التحويل من 73 مليون درهم سنة 2009 إلى 494 مليون درهم سنة 2024. وبلغ مجموع الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية ما قيمته 5.2 مليار درهم خلال الفترة ما بين 2010 و2024.

واليوم تمثل الأقاليم الجنوبية أزيد من 81% من إجمالي الإنتاج الوطني للمنتجات البحرية، بقيمة تفوق 10.2 مليار درهم، أي ما يعادل 63% من القيمة الإجمالية على الصعيد الوطني. وهذه الأرقام تعكس بجلاء التحول الهيكلي العميق الذي تشهده هذه الجهات بفضل المشاريع الملكية الكبرى، والاستثمارات الموجهة نحو تثمين وتسويق المنتجات البحرية في إطار رؤية تنموية مستدامة.

ما هي أهم المشاريع التي تم إنجازها أو المبرمجة في مدن طانطان، العيون، والداخلة وبوجدور وسيدي إفني، لتعزيز مكانتها كمحاور إستراتيجية في الاقتصاد الأزرق؟

في البداية لا يمكن الحديث عن المشاريع المهيكلة في قطاع الصيد البحري دون استحضار الرؤية الملكية السامية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2015 من خلال النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. هذه الرؤية الإستراتيجية وضعت أسس تنمية شاملة ومستدامة، تستثمر في مؤهلات البحر وتحوّلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية لجهات العيون-الساقية الحمراء، والداخلة-وادي الذهب، وكلميم-واد نون.

وقد اكتسبت هذه المشاريع بعدا إستراتيجيا جديدا على ضوء القرار التاريخي الصادر عن مجلس الأمن بتاريخ 31 أكتوبر 2025، الذي كرّس المقاربة المغربية القائمة على التنمية الميدانية والحكم الذاتي كحل عملي للنزاع الإقليمي. هذا القرار جاء ليؤكد أن ما يتحقق في الميدان من إنجازات تنموية هو أبلغ تعبير عن ممارسة السيادة المغربية الكاملة في المجال البحري.

وفي هذا الإطار جرى تنفيذ حزمة واسعة من المشاريع في الأقاليم الجنوبية، من أبرزها بناء نقطة تفريغ مجهزة بكوريزيم، وإنجاز ست وحدات لتثمين الأسماك السطحية بالداخلة، إلى جانب إنشاء محطة لمعالجة مياه الوحدات الصناعية الخاصة بهذه الأسماك. كما تم اقتناء جهاز محاكاة لتكوين البحارة في ميدان الصيد، وسفينة مدرسية للتكوين البحري، فضلا عن مواكبة تعاونيات نسائية تنشط في جمع الطحالب البحرية بأمكريو، في نموذج يُرسخ دور المرأة في الاقتصاد الأزرق.

وعلى مستوى تثمين الثروة السمكية والحفاظ على الاستدامة تم اعتماد 32 مخططا لتهيئة المصايد، تشمل 96% من الكميات المفرغة وُدبرت بطريقة مستدامة وفق مقاربة علمية دقيقة. كما أُحدثت المحمية البحرية “ماسة” على مساحة 250 كيلومترا مربعا تمتد بين فركليك وكوريزيم، وتجري حاليا إعادة تصنيفها وتشويرها لحماية النظم البيئية وتنظيم نشاط الصيد بها.

ولتعزيز الحكامة في تدبير الموارد تم تحيين المخطط الوطني لمراقبة أنشطة الصيد البحري، وتفعيل برامج لمحاربة الصيد غير القانوني، وتجهيز جميع السفن بأنظمة تتبع عبر الأقمار الاصطناعية (VMS)، إلى جانب استعمال نظام الترددات (RFID) لتحديد هوية القوارب التقليدية ومنع القوارب غير المرخصة. كما استفادت الأقاليم الجنوبية من برنامج “إبحار” لتحديث أسطول الصيد التقليدي، الذي شمل إعادة تأهيل 642 قاربا ورفع الحمولة الإجمالية من 2 إلى 3 أطنان.

وفي ما يتعلق بالبحث العلمي تم إنشاء مركز جهوي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بالداخلة، وإنجاز رحلات علمية على طول الساحل الجنوبي لتقييم المخزونات، إلى جانب إحداث مختبرين متنقلين بميناء الداخلة ومركز المهيريز، وإنشاء محطة لأبحاث تربية الأحياء البحرية مزودة بمفرخات تجريبية. كما تم تجهيز الساحل الجنوبي بعوامات استشعار لقياس المؤشرات الأوسيانوغرافية وجودة المياه، وإنجاز مزرعة نموذجية لإنتاج الأسماك والصدفيات بسيدي إفني.

أما في مجال تربية الأحياء البحرية فتم اعتماد مقاربة تجعل من هذا القطاع رافعة محورية لجذب الاستثمارات وخلق فرص الشغل، عبر تقديم مواكبة تقنية ومالية للمستثمرين الشباب، وتخفيض الرسوم الجمركية على أعلاف الأسماك إلى 2.5% في إطار قانون المالية لسنة 2024، لتشجيع الإنتاج المحلي وتخفيض تكاليفه.

وبخصوص تثمين وتسويق المنتجات البحرية أُحدثت أسواق من الجيل الجديد للبيع الأولي بكل من لمهريز، الداخلة، العيون، بوجدور، وطانطان، مع إعادة هيكلة سوق سيدي إفني وبناء مصانع للثلج وغرف مبردة بعدة نقاط صيد. كما جرى إنشاء 13 نقطة تفريغ مجهزة وقرى للصيادين بكل من لكراع، أفتيسات، لاسارگا، المهيريز، والبويردة، وتجهيزها بالطاقة الشمسية وكاميرات المراقبة ونظم رقمية للبيع بالمزاد.

وفي مجال الصناعات البحرية تم تنفيذ برامج لتشجيع الابتكار وتنويع المنتجات، مع إحداث قطب تنافسي لجهة الجنوب بمحاذاة ميناء الداخلة على مساحة إجمالية تفوق 200 هكتار، ليشكل مركزا إقليميا للابتكار الصناعي والتثمين.

كما شملت الجهود تعزيز الحماية الاجتماعية للبحارة عبر تعميم التغطية الاجتماعية والتأمين ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية، ودعم 52 تعاونية بالأقاليم الجنوبية بمواكبة مالية وتقنية، وتزويد المهنيين بمحركات وجرارات ومعدات رفع.

وفي مجال الإنقاذ البحري تم تعزيز المركز الوطني لتنسيق الإنقاذ بشبكة اتصالات بحرية وجوية وفضائية على طول السواحل الجنوبية، واقتناء خافرات إنقاذ سريعة وأجهزة استغاثة فضائية.

وأخيرا تم الارتقاء بالتكوين البحري عبر إنشاء وتجهيز وحدات تجريبية لتثمين المنتجات البحرية، واقتناء أجهزة محاكاة متطورة لتكوين البحارة، ما يجعل معاهد الصيد البحري في العيون وطانطان والداخلة وبوجدور وسيدي إفني رافدا أساسيا لتأهيل الكفاءات المحلية.

باختصار، تشكل هذه المشاريع المتعددة أركان نموذج تنموي بحري متكامل، يروم جعل الأقاليم الجنوبية منصة إستراتيجية للاقتصاد الأزرق، ومختبرا حيا لتجسيد السيادة المغربية في بعدها الاقتصادي والبيئي والاجتماعي.

هل يمكن الحديث عن تأثير مباشر لهذه المشاريع على فرص الشغل وخلق أنشطة موازية لفائدة الشباب والنساء في هذه المدن؟

لا شك أن الأثر الاجتماعي والتشغيلي لقطاع الصيد البحري بالأقاليم الجنوبية أصبح اليوم ملموسا بشكل واضح، سواء على مستوى إدماج الشباب والنساء أو على صعيد خلق فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة. فخلال الخمسة عشر عاما الماضية تمكن القطاع بفضل مجهودات كافة الشركاء من تحقيق مكتسبات مهمة، ساهمت في تحسين الناتج الوطني الخام للقطاع الذي تجاوز 16 مليار درهم سنة 2024، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 6,7% ما بين 2010 و2024.

وانسجاما مع البرنامج الحكومي للنهوض بالتشغيل، خاصة في المناطق الجنوبية، اعتمدت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري مقاربة ميدانية لتفعيل عدد من البرامج والمشاريع المهيكلة، التي تجاوز حجم استثماراتها 8 مليارات درهم، منها 1,5 مليار درهم كدعم اجتماعي مباشر لفائدة الصيادين التقليديين والشباب. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن حجم الاستثمار، بل عن قدرة هذه المشاريع على تحويل الثروة البحرية إلى فرص إدماج اجتماعي حقيقية، في إطار رؤية تجعل من البحر رافعة للتنمية وترسيخ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسكاني.

وفي ميدان الصناعات البحرية عرف النسيج الصناعي في الأقاليم الجنوبية تطورا لافتا، إذ ارتفع عدد الوحدات الصناعية من 145 وحدة سنة 2010 إلى 186 وحدة سنة 2024، أي بزيادة تناهز 29%. وتتمركز هذه الوحدات أساسا في مدن الداخلة (104 وحدات)، العيون (51 وحدة)، طانطان (18 وحدة)، بوجدور (10 وحدات) وسيدي إفني. هذا التطور يعكس دينامية استثمارية قوية عززت تنافسية الفاعلين وخلقت آلاف فرص الشغل الجديدة، سواء في أنشطة التثمين أو التحويل أو الخدمات الموازية المرتبطة بها.

كما تم دعم وحدات تثمين الأسماك السطحية بحصص مخصصة للصيد، قصد الرفع من إنتاجيتها، ومنح حصص إضافية لوحدات التجميد بالداخلة والعيون التي حولت نشاطها من الأخطبوط إلى تثمين الأسماك السطحية الصغيرة، وهو ما أتاح خلق صناعة تحويلية محلية قائمة على تثمين المنتج البحري داخل الجهة. وإلى جانب ذلك تم إطلاق مشروع إنجاز ست وحدات تثمين بالداخلة ووحدتين ببوجدور، في إطار طلبات إبداء الاهتمام بمصيدة الأسماك السطحية الجنوبية، شريطة إحداث وحدات صناعية محلية. هذه المشاريع وحدها مرشحة لخلق نحو 4400 منصب شغل قار بالداخلة و1400 ببوجدور.

ومن جهة أخرى أسهم تنظيم وتطوير نشاط بيع السمك بالجملة في خلق مناصب شغل إضافية، من خلال تشجيع إنشاء أكثر من 1500 شركة و100 تعاونية مهنية. وبفضل هذه الدينامية بلغ عدد مناصب الشغل المباشرة على اليابسة بالأقاليم الجنوبية سنة 2024 حوالي 34 ألف منصب، أي ما يعادل 26% من إجمالي المناصب الوطنية، مقارنة بـ 69 ألف منصب سنة 2010، بمعدل نمو سنوي متوسط قدره 4,8%.

أما قطاع تربية الأحياء البحرية فتم اعتماده كرافعة واعدة لتشغيل الشباب والنساء، في إطار مقاربة قائمة على الحكامة والتخطيط الساحلي والمواكبة الميدانية. وتم تخصيص دعم مالي يناهز 129 مليون درهم لهذا الغرض، من بينها 87 مليون درهم لاقتناء التجهيزات والمعدات و42 مليون درهم لتعزيز البنية التحتية لتفريغ المنتجات البحرية.

وقد حولت هذه المقاربة الداخلة إلى قطب إستراتيجي للاستزراع البحري، حيث تمت مواكبة 244 مشروعا أحدثت ما يقارب 2600 منصب شغل، منها 100 مشروع لفائدة شباب الجهة. كما تضاعف إنتاج تربية الأحياء البحرية عشر مرات بين 2010 و2024، ليصل إلى 4271 طنا. وارتفع التشغيل من 120 فرصة سنة 2010 إلى نحو 1300 سنة 2024، بنسبة تمثل 38% من الإنتاج الوطني و49% من قيمته الإجمالية.

إن كل مشروع بحري اليوم، سواء كان وحدة تثمين أو مزرعة أحياء بحرية أو سوق سمك، لم يعد يُنظر إليه كاستثمار اقتصادي فحسب، بل كأداة لبناء مجتمع محلي متماسك اقتصاديًا واجتماعيا. وهذا هو جوهر المقاربة المغربية التي تربط بين التنمية والسيادة، وبين العمل المنتج والكرامة الاجتماعية، لتجعل من البحر فضاء لخلق الثروة وفرص العيش الكريم على امتداد الأقاليم الجنوبية للمملكة.

كيف تساهم موانئ الجنوب، خصوصًا ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب، في تعزيز تموقع المغرب كقوة إقليمية بحرية وربط إفريقيا بأوروبا؟

تُعد الموانئ البحرية في الأقاليم الجنوبية للمملكة ركيزة أساسية في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما تمثل اليوم واجهة متقدمة للإستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز تموقع المغرب كقوة بحرية إقليمية. فبلادنا، بفضل الرؤية الملكية السديدة، تبنّت إستراتيجية وطنية متكاملة لتنمية الموانئ، ترتكز على تطوير البنية التحتية وتعزيز التنافسية في ظل التحولات العالمية في سلاسل التوريد البحري.

وتعمل كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري على تنزيل هذه الإستراتيجية من خلال مشاريع مهيكلة تُعزز البنية التحتية الخاصة بقرى الصيد ونقط التفريغ المجهزة على طول السواحل، بما فيها الأقاليم الجنوبية التي تزخر بمؤهلات بحرية هائلة؛ فالمياه المغربية تمتد على منطقة اقتصادية خالصة تفوق مساحتها مليون كيلومتر مربع، وتُعد من أغنى المناطق السمكية عالميا، خصوصا في الجنوب؛ وهو المعطى الذي جعل بلادنا تحتل المرتبة الثالثة عشرة عالميا في مجال الصيد البحري، والأولى إفريقيا في صيد الأسماك.

وتؤشر الأرقام على أن مفرغات الصيد بالموانئ الجنوبية تمثل أكثر من 80% من حجم الإنتاج الوطني، ونحو 63% من قيمته، ما يعكس الوزن الاقتصادي لهذه الموانئ في التنمية الوطنية؛ كما استفادت من استثمارات كبرى في مجالات التأهيل والتوسعة والتحديث، لتواكب تطور الأسطول البحري الوطني والدولي وتستجيب لمتطلبات الأسواق الجديدة. وفي السياق ذاته يحتل المغرب المرتبة العشرين عالميا والأولى إفريقيا في تصدير منتجات البحر، وتشكل صادرات الأقاليم الجنوبية نحو 70% من حجم الصادرات الوطنية وقرابة 48% من قيمتها الإجمالية.

أما ميناء الداخلة الأطلسي فيجسد اليوم مشروعا إستراتيجيا بامتياز على مستوى القارة الإفريقية، فهو ليس مجرد بنية تحتية مينائية، بل رؤية شاملة تُترجم إرادة المغرب في تعزيز سيادته البحرية وترسيخ مكانته كقوة إقليمية صاعدة في الاقتصاد الأزرق. يتموقع الميناء عند مفترق الطرق البحرية الكبرى بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، ما يجعله منصة لوجستية كبرى لربط القارات الثلاث، ودعامة رئيسية لتوسيع الحضور المغربي على الواجهة الأطلسية.

كما يتوفر الميناء على تجهيزات متقدمة وبنية عميقة المياه قادرة على استقبال السفن الكبرى، إلى جانب مناطق لوجستية وصناعية واسعة، بما يُحول الأقاليم الجنوبية إلى قطب تنموي متكامل ومنصة اقتصادية ولوجستية ذات إشعاع قارّي. ومن هذا المنظور يجسد الميناء أيضا البعد العملي للمقاربة المغربية في التنمية، كما أكد عليه قرار مجلس الأمن الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي نوّه بواقعية النموذج التنموي المغربي في إطار السيادة الوطنية.

ولا يمكن إغفال البعد الإفريقي لهذا المشروع، إذ يندرج ضمن المبادرة الملكية السامية الرامية إلى تمكين عدد من دول الساحل الإفريقي من الاستفادة من ميناء الداخلة الأطلسي، في خطوة تُكرّس رؤية المغرب لتقوية التعاون جنوب–جنوب وتعزيز التضامن الإفريقي؛ لأن المبادرة تفتح آفاقا أمام دول غير ساحلية مثل مالي والنيجر وتشاد لولوج الأسواق الدولية عبر منفذ بحري حديث وآمن، بقدر ما يعزز قدراتها التصديرية ويرسخ التكامل الاقتصادي الإفريقي في إطار شراكة متوازنة.

وفي ما يخص قطاع الصيد البحري سيُحدث ميناء الداخلة الأطلسي تحولا نوعيا في تدبير أنشطة الصيد وتنظيمها، من خلال إنشاء أرصفة مخصصة للسفن ومراكز متطورة للفرز والتبريد والتثمين، وتوفير بيئة استثمارية محفزة لصناعات التصبير والتجميد والتوزيع الدولي. هذه المكونات مجتمعة ستُسهم في رفع القيمة المضافة للمنتج البحري المحلي وإدماج الأقاليم الجنوبية في سلاسل القيمة العالمية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن ميناء الداخلة الأطلسي ليس فقط بوابة بحرية جديدة للمغرب، بل هو مشروع سيادي وإستراتيجي يُجسد رؤية متكاملة لاقتصاد المستقبل، حيث تلتقي التنمية بالسيادة، وتتحول الأقاليم الجنوبية إلى قلب الأطلسي النابض ومركز الربط بين إفريقيا وأوروبا والعالم.

ما الدور الذي تلعبه الدبلوماسية البحرية والاتفاقيات الدولية للصيد البحري في حماية سيادة المغرب على موارده في مناطقه الجنوبية؟

الدبلوماسية البحرية المغربية تُعد اليوم إحدى ركائز الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الموارد البحرية، خصوصًا في الأقاليم الجنوبية للمملكة؛ وهي دبلوماسية تنطلق من رؤية ملكية متبصرة تجعل من المحيطات مجالًا إستراتيجيًا للتعاون والتوازن الجيوسياسي، لا فقط مجالًا للتنافس على الموارد.

وقد اعتمدت المملكة، بتوجيهات سامية من جلالة الملك محمد السادس نصره الله، مقاربة شمولية تقوم على الانخراط الفاعل داخل المنظمات الإقليمية والدولية، وإبرام اتفاقيات وشراكات متوازنة تؤكد السيادة الكاملة للمغرب ووحدته الترابية. وهذه الاتفاقيات، في جوهرها، ليست مجرد نصوص قانونية، بل أدوات دبلوماسية تضمن الاستغلال المستدام والعادل للثروات البحرية، بما فيها تلك الموجودة في مياه الأقاليم الجنوبية.

وفي هذا الإطار تضطلع كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري بدور محوري في بلورة هذه الاتفاقيات وضمان انسجامها مع السياسة الوطنية للصيد المستدام، مع الحرص على أن تُترجم هذه الشراكات إلى برامج عملية تشمل البحث العلمي البحري، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات المحلية، وتثمين الثروات لفائدة ساكنة الجنوب، في انسجام تام مع النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.

وتُجسد هذه الدينامية اعترافا دوليا متزايدا بمشروعية المقاربة المغربية في تدبير الثروات البحرية ضمن نطاق سيادتها الكاملة على مياهها الجنوبية، كما تعكس في الآن ذاته حضورا مغربيا قويا في المنتديات الدولية، باعتبار المغرب فاعلا مسؤولا في حكامة المحيطات ومدافعا عن مبادئ الاستدامة والتضامن.

وقد تُوّج هذا الحضور بمصادقة المغرب على اتفاق التنوع البيولوجي البحري في المناطق الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية (BBNJ)، وبمشاركة وازنة في الدورة الثالثة لمؤتمر الأمم المتحدة حول المحيطات (UNOC3) بمدينة نيس الفرنسية، حيث ترأست صاحبة السمو الملكي الأميرة لالة حسناء الوفد المغربي، في تأكيد على التزام المملكة بقضايا المحيطات والبيئة البحرية العالمية.

وفي هذا السياق تبرز أيضا مبادرة جلالة الملك لتنمية الشراكة الأطلسية بين دول إفريقيا المطلة على المحيط الأطلسي، باعتبارها رؤية إستراتيجية متجددة تُعزز التعاون جنوب–جنوب، وتكرّس مكانة الأقاليم الجنوبية كجسر للتكامل الإقليمي ومركز للنمو الاقتصادي البحري. كما أن المبادرة الملكية الهادفة إلى تمكين الدول الإفريقية الساحلية من الولوج إلى المحيط الأطلسي تُجسد البعد الإنساني والتضامني للدبلوماسية المغربية، من خلال تمكين هذه الدول من منفذ بحري حديث يربطها بالأسواق الدولية.

إن الدبلوماسية البحرية المغربية لا تكتفي بالدفاع عن السيادة من منطلق قانوني أو سياسي، بل تمارسها فعليا عبر مشاريع وشراكات إستراتيجية ترسّخ حضور المملكة في فضائها الأطلسي، وتحوّل أقاليمها الجنوبية إلى مركز تفاعل بين السيادة الوطنية والقيادة الإقليمية في مجال الاقتصاد الأزرق.

يبدو أن المغرب يتبنى نهجا شاملا في حماية الموارد البحرية، هل يمكن أن تخبرينا المزيد عن الإستراتيجية التي يعتمدها في هذا المجال، وخاصة في ما يتعلق بالتنوع البيولوجي البحري؟

بطبيعة الحال، المغرب اعتمد نهجا شاملا يقوم على مفهوم “السيادة المستدامة” على الموارد البحرية، الذي يجمع بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويضع استدامة الموارد البحرية في صلب إستراتيجية وطنية متكاملة. ويُعَد هذا التوجه من أكثر التجارب تميزا على الصعيد الإفريقي، إذ يهدف إلى جعل قطاع الصيد البحري رافعة قوية للتنمية المستدامة.

وتركز الإستراتيجية على تعزيز استدامة المصايد البحرية، وحماية الأنواع البحرية المهددة، مثل الثدييات البحرية، وأسماك القرش، والسلاحف البحرية، والطيور البحرية، بما يضمن الوفاء بالالتزامات البيئية المتفق عليها في الاتفاقيات الدولية؛ إذ أسهم هذا التوجه في تحقيق توازن بين الأداء الاقتصادي والحفاظ على التنوع البيولوجي، مع تعزيز القدرة التنافسية للقطاع.

وتتضمن الإستراتيجية بناء منظومة وطنية متكاملة للبحث العلمي والمراقبة، يشرف عليها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، وتشمل الرصد البيولوجي والمناخي، وتقييم المخزونات، وتتبع تأثير التغيرات المناخية على الموارد البحرية. وقد تم تزويد هذه المنظومة بسفينة أوقيانوغرافية حديثة، مجهزة بأحدث التقنيات، تُستخدم لدراسة دينامية النظم البيئية البحرية وتأثير الظواهر المناخية، ما سيسهم في تعزيز القدرة السيادية على المعرفة البحرية.

كما تهدف هذه الإستراتيجية إلى الانتقال نحو مصايد مستدامة تضمن الأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل مستقرة، وتحقيق تنمية اقتصادية مسؤولة ومتوازنة. ويجعل هذا التوجه المغرب مرجعا قاريا في مجال الحكامة الزرقاء، حيث يجمع بين حماية البيئة وتعزيز دور الاقتصاد الأزرق في التنمية الوطنية.

في حديثك عن إستراتيجية “أليوتيس” والمخطط الأزرق، هل يمكن تفصيل كيف يدعم المغرب التعاون مع الدول الإفريقية الأخرى المطلة على الأطلسي في هذا المجال؟

راكم المغرب تجربة تزيد عن 15 سنة في تنفيذ إستراتيجية “أليوتيس”، وقد ساهمت في تطوير قطاع الصيد البحري محليا، مع العمل على مشاركة هذه التجربة والخبرة مع الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي. ويشكل هذا النهج جزءا من رؤية شاملة لتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وترسيخ مكانة الأقاليم الجنوبية كبوابة بحرية تتيح توسيع الشراكات الإقليمية في المجال البحري والاقتصاد الأزرق.

وتجسد “مبادرة الحزام الأزرق” خطوة مهمة في هذا الاتجاه، إذ تهدف إلى تسهيل وصول الدول الإفريقية الشقيقة إلى الموارد البحرية، وتعزيز الاقتصاد الأزرق المستدام عبر الممارسات المسؤولة للصيد وحماية التنوع البيولوجي البحري. كما تركز المبادرة على بناء جسور اقتصادية بين الدول، من خلال دعم مشاريع مشتركة في تربية الأحياء البحرية، والتثمين الصناعي للمنتجات البحرية، وتطوير البنية التحتية للموانئ الساحلية.

ويتيح هذا النهج تعزيز قدرات الدول الإفريقية في مجال الاقتصاد الأزرق، من خلال نقل التكنولوجيا، وتبادل التجارب، وبناء الكفاءات البشرية، بما يضمن الاستغلال المستدام للموارد البحرية، ويحقق عدالة مجالية وتنمية اقتصادية متوازنة على الصعيد الإقليمي؛ كما يعكس الالتزام القوي بالممارسات البحرية المسؤولة والحوكمة الرشيدة للمحيطات، مع تأكيد مكانة المغرب كفاعل إقليمي يساهم في تعزيز التكامل الاقتصادي والبيئي بين دول الساحل الأطلسي.

وبهذا المعنى لا يقتصر دور المغرب على إدارة قطاعه البحري داخليا، بل يمتد ليشمل قيادة مبادرات إقليمية تعزز التعاون الاقتصادي والبيئي، وتضع الأقاليم الجنوبية في قلب شبكة للتنمية المستدامة على مستوى المحيط الأطلسي، مساهمة بذلك في إرساء نموذج إفريقي للتكامل في الاقتصاد الأزرق.

هل هناك إستراتيجيات لإدماج الرقمنة في تدبير قطاع الصيد البحري، خصوصا في موانئ الجنوب؟

اعتمد المغرب منذ سنوات إستراتيجية شاملة لإدماج الرقمنة في قطاع الصيد البحري، بهدف تعزيز الشفافية وتحسين جودة الخدمات الإلكترونية، وخاصة في الموانئ الجنوبية التي تشكل أرضية رائدة لهذه التجارب. وقد تم التركيز على تطوير منظومة متكاملة لتسويق المنتجات البحرية، بهدف ضمان تتبع مسارها وتحسين فعالية عمليات البيع بالمزاد.

وفي هذا الإطار أُطلقت برامج طموحة لتحديث آليات التسويق، تتضمن اعتماد نظام رقمي متكامل لإدارة عمليات البيع وإعادة هيكلة النظام المعلوماتي للمكتب الوطني للصيد. ويتيح هذا النظام متابعة جميع العمليات التجارية بشكل فعال وشفاف، مع ربط جميع نقاط البيع على المستوى الوطني، بشكل يسهل تطبيق مشروع البيع عن بعد مستقبلا.

كما تم في السياق ذاته تطوير تطبيق هاتفي خاص يمكن التجار من المشاركة في عمليات الشراء إلكترونيا، مع تعميمه تدريجيا وفق مخطط عمل منظم، تزامن مع التنسيق المستمر مع المهنيين المعنيين لضمان نجاح المنظومة. ويعتمد هذا النظام المعلوماتي على تقنيات حديثة من برامج وأجهزة، ما يوفر قاعدة تكنولوجية قوية لدعم عمليات الرقمنة في جميع مراحل سلسلة التسويق البحري.

وعلى مستوى البنية التحتية، يضم القطاع أربعة أسواق للسمك من الجيل الجديد بالأقاليم الجنوبية، بغلاف مالي استثماري يناهز 160 مليون درهم بكل من العيون، الداخلة، طانطان، وبوجدور، مع مشاريع مستقبلية لإنجاز أسواق مماثلة بطرفاية وسيدي إفني.

<

Offcanvas bottom
...
عرض كامل
مفضلاتي
الرئيسية
القائمة

جميع الحقوق محفوظة ل

أخباري

تطوير انفينتي ثيم