انضباط سجنى صارم..

في مواجهة تزايد انعدام الأمن في العالم، من المفيد أن إلقاء نظرة على نظام السجون الياباني، كما يظهر في الوثائقي “كيف تبدو الحياة في سجن ياباني؟”. نكتشف فيه عالمًا بالغ الصرامة: حيث يسير السجناء في صف مرتبطين بحبل ويجب عليهم الحفاظ على الصمت المطلق خارج أوقات الترفيه النادرة. وكل دقيقة من يومهم مضبوطة بدقة. فيصبح الانضباط أداة للإصلاح الأخلاقي للأفراد الذين يعتبرهم المجتمع خطيرين على أمنه.

ولا يتعلق الأمر هنا بمرتكبي الجنح البسيطة، بل بالمجرمين الخطيرين الذين يهددون أمن المواطنين وينشرون بينهم الرعب وهم يدركون تمامًا سوء أفعالهم. فلا يمكنهم التذرع بماضي طفولتهم الصعب وبحجة أن المجتمع قد ظلمهم كما هو شائع بين محاميهم في الغرب. فالذين ظلموهم ليسوا هم المجتمع حتى ينتقموا من أفراده الأبرياء. وأولئك الذين يتعاطون المخدرات من أجل الجرآة على ارتكاب الجرائم يضاعفون من مسؤوليتهم كي يخضعوا لانضباط سجني أشد صرامة ويتم بذلك إصلاحهم.

هكذا في النظام السجني الياباني، تُراقب كل لحظة من العمل الإلزامي ومن استعمال الزمن المضبوط مع الاحترام الكامل للسلطات السجنية التي لا تغفل عن السجين طرفة عين. فالصمت والروتين يدعُوان إلى التأمل والعمل الدءوب يعلّم المثابرة والانضباط يعلم التحكم في الانفعالات. هكذا الهدف ليس هو تدمير السجين بل إعادة بناء شخصيته على النهج السوي القويم. وعند خروجه من السجن لا يكون آلة صماء كما يعتقد بل مواطنًا خلوقا قادرًا على إدارة نفسه بنفسه.

والنتائج دامغة ومفحمة لكل متشكك. معدل العودة للإجرام في اليابان شبه منعدم وحجمه منخفض للغاية: أقل من 3 جرائم قتل لكل مليون نسمة سنوياً، في مقابل 10 بالغرب الأوروبي وأكثر من 60 في الولايات المتحدة. وردْع فعال وبالتالي سجون غير مكتظة. هكذا المجتمع ككل يستفيد من هذا النهج اقتصادياً وأخلاقياً.

ثم ما دامت هذه الصرامة في الانضباط السجني شبيهة بمثيلتها في الانضباط العسكري، فإنها عادية ولا تثير الاستغراب ولا الاستنكاف منها باية حجة واهية في السياق الياباني. وهي تستند أصل إلى أركان الثقافة الكونفوشيوسية التي تحترم بل تقدس بعمق النظام والسلطة وواجب استيعاب والتشبع بقواعد العيش المشترك. هذا العامل الثقافي هو الذي يصنع الفارق بين اليابان والغرب. فبضله يتم قبول الانضباط واستيعابه ومن تم فهو يوافق السجين من دون أن يشعر بأنه تعسفي، كما يحدث في الغرب وفق ثقافته الخاصة والمختلفة تماما بهذا الخصوص عن ثقافة الياباني.

وعلى النقيض من ذلك، تُظهر العديد من الدول الغربية، التي تُقدس فيها الثقافة حرية الفرد أكثر من تقديرها لحقوق المجتمع، اختلافًا تامًا مع الدول الكونفوشيوسية. ففي هذه المجتمعات الغربية، قد يستعيد المجرم الذي أزهق حياة بريء عن عمد حريته بعد عقوبة حبسية محدودة، ويكون قد تمتع خلالها بمأوى وطعام أفضل وأشمل من معيشة الفقراء والمشردين الأبرياء.

وتصبح السجون أحيانًا، بسبب الاكتظاظ مدارس للجريمة، لما يختلط السجناء العاديون بالمجرمين العدوانيين والخطرين. مما يعزز العودة إلى الجريمة ويهدد الأمن العام. وتشير بعض التقارير إلى أن معدلات العوْد بين مرتكبي الجرائم الخطيرة في بعض الدول الأوروبية تتجاوز 50٪، رغم الإنفاق الكبير لمحاولة الحد منه.

ففي الولايات المتحدة مثلا، أشار مقال بعنوان Dallas County District Attorney John Creuzot says he won’t prosecute some minor crimes نُشر في صحيفة The Texas Tribune إلى أن المدعي العام لمقاطعة دالاس قرر التوقف عن ملاحقة بعض الجرائم البسيطة، مثل سرقة المبالغ الصغيرة بدافع الحاجة أو حيازة الماريخوانا لأول مرة. وكان الهدف من ذلك تركيز الجهود القضائية على الجرائم الخطيرة والحد من الاكتظاظ في السجون. غير أن منتقديه رأوا في القرار تشجيعًا على الجريمة. فتم التراجع عن هذا الإجراء لاحقًا.

فلا يقتصر النقاش هنا على فعالية الانضباط السجني الصارم فحسب، بل يتعدّاه إلى القيمة الممنوحة للحرية الفردية في مقابل الأمن الجماعي.

النموذج الياباني ناجح لأن الانضباط فيه مقبول ثقافيًا بل حتى مطلوب ومصمم لإصلاح الفرد لصالح المجتمع وليس لتحطيمه وتدميره.

لكن النموذج الياباني ليس قابلاً للاستنساخ كما هو، كي يسفر عن نفس النتائج في باقي البلدان. فينبغي من كل مجتمع أن يحدد، وفق ثقافته الخاصة، إلى أي مدى يمكنه تطبيق انضباط صارم في السجون، خصوصًا في حق المجرمين العدوانيين الخطيرين لحماية مواطنيه وفي الوقت نفسه تصحيح السلوكيات المنحرفة.

لكن لا يمكن تصور ذلك النموذج السجني مطبقا في أغلب دول الجنوب العالمي إلا إذا كان البلد قويًا اقتصاديًا وسياسيًا بما فيه الكفاية، مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين، كي لا يتعرض للانتقاد أو العقوبات تحت ذريعة حفظ حقوق الإنسان لأغراض جيوسياسية ضيقة وبحتة، وإلا لما كانت قد وقعت العديد من المآسي في مختلف بقاع الأرض من مثل ما حدث ويحدث حتى يومنا هذا في عموم فلسطين وبالخصوص في غزة.

وفي الختام، يبرهن اليابان على حقيقة بسيطة: للأمن ثمن. وهذا الثمن هو الصرامة في تطبيق الانضباط داخل السجون بذكاء في حق من تهدد أفعالهم الإجرامية المجتمع بشكل بالغ الخطورة. صرامة مُفعلة بشكل طبيعي وفق عامل ثقافي خاص. أما في أماكن أخرى، فمن دون مثل هذه الصرامة المعدّلة وفق الثقافة المحلية، من غير المحتمل أن تكون لإجراءات أخرى نفس الفعالية في حماية المواطنين.

<

Offcanvas bottom
...
عرض كامل
مفضلاتي
الرئيسية
القائمة

جميع الحقوق محفوظة ل

أخباري

تطوير انفينتي ثيم