المدينة في محك المسخ

سألني صديقي محمد الهلالي، بعد صدور كتابي الأخير: “مقامات المدينة في محك المسخ”، كيف اشتبكت مع سؤال المدينة، وحافظت على هذا الاشتباك في كل كتاباتك؟

فاجأني السؤال! لم أكن أعرف كيف ولماذا استفزني السؤال، وغصت في التنقيب عما يسمح لي بالعثور على ما يبرر هكذا اهتمام:

هل يرتبط الجواب بسؤال النشأة ومشتل الطفولة، وهذا يعني الحاجة إلى النبش في هوامل الذاكرة، حيث الرجوع إلى لحظات تأسيسية في مساري الخاص؟ وهذا ما فتح أمامي فرصة لم أفكر فيها قطعاً، والتي ستجعلني أتحول من عاشق للأفكار إلى ناسج للمحكيات، وبالتالي من الكتابة النقدية إلى الكتابة السردية. حيث الانطلاق من فاس المدينة التي عشت فيها ابتهاج الكشف والاكتشاف، وولدت بداخلي جرأة الرفض والنقد. إلى المدينة التي أصبحت أحلم بها، أرسم معالمها، أسير في الطريق إليها بالكتابة والمواقف، دون الوصول إليها. فلا أنا حافظت على بريق مدينتي الطفولية، ولا مدينة طفولتي بقيت على عهدها المشرق، كما أنني لم أستطع معانقة مدينة الأمل والحلم، ولم يعد الحلم بالمدينة متاحاً، بسبب زحف التراجعات وتراكم الخيبات.

هل يتعلق الأمر بسياق انتمائي إلى جيل، وضعته الستينات في غليان سياسي كان يشهده العالم، على مستوى الصراع بين الأفكار والإيديولوجيات والتيارات، جيل سيعيش داخلياً قمعاً شرساً ضد الحلم والتغيير والمعرفة والعدالة، وهذا ما عمق بداخلي جرح الظلم وصدمة الخيبات المتلاحقة. وبالتالي وجدت نفسي أمام الانتقال المفروض من الكتابة عن شروط إرساء المدينة، إلى الكتابة عن مظاهر مسخ المدينة. وهنا تستنفر الحنين، فلا تجد من ملجأ سوى الذاكرة، تحتمي من قبح المدينة في الحاضر، إلى جمالية المدينة في الماضي، تداري وجع شيخوختك بالاندفاع الحيوي لطفولتك التي كانت مفعمة بطاقة روحية خلاقة تدعوها إبداع الحياة بشكل متطور، كما يقول برغسون.

هل يرجع الأمر إلى استفزاز معرفي عشته، في أول دروسي الجامعية، مع الأستاذ الجميل الفقيد محمد هشام، حينما توقف بإفاضة عند معنى أن الفلسفة ابنة المدينة. سيفتح هذا الدرس ليس فقط فضولاً معرفياً للتزود بالقراءة المدققة في هذه القرابة بين الفلسفة والمدينة، بل سيكشف لي علاقة خاصة بيني كطالب للفلسفة وبين المدينة، لكي أعلم منذ هذه البداية الأولى أن الفلسفة ليست هي فقط معرفة المتون واستيعاب الأنساق، بل هي نمط وجود وطريق في الانتماء إلى العالم، من خلال الاهتجاس بالمدينة. وستمتد هذا الكشف إلى ممارستي المهنية كمدرس للفلسفة، بحيث كنت أعتبر الفصل الدراسي هو الكوة التي تربطني بالمدينة. لم أكن أختزل نفسي في إنجاز البرنامج الدراسي، بل كنت أبحث عن موطئ قدم لي كمدرس للفلسفة داخل المدينة. وسيخلق ذلك تداعيات أخرى، حينما امتطيت صهوة الكاتب وحلم المثقف، حيث حرصت على أن أتفاعل مع قضايا العصر: العولمة وكورونا والعالم الرقمي، كما حرصت أن أكون دائماً حاضرا في كل ما تعيشه مدينتي الفعلية من أزمات في التعليم والسياسة والثقافة والدين والعنف… وفي كل ما يقوض مدينتي الحالمة من مظاهر المسخ الفردي والجماعي، في كل تجليات الحياة العامة…

على منوال ما قاله دريدا: إن العالم ليس على ما يرام، يمكن القول إن المدينة ليست على ما يرام، إنها تتعرض للمسخ وللاستنزاف، بشكل لا يمكن حصر تداعياتهما. لقد فقدنا قياس القياس، لم يعد بالإمكان تصنيف ما يحدث هل هو تقدم أم تقهقر، أو بتعبير دريدا هل هو شباب أم شيخوخة، لقد أصبح للمدينة أكثر من عمر… أنتمي إلى جيل كان يحلم بالتقدم، ولا يزال يحمل الفكر التقدمي، لكنه لم يعش بعد مرحلة التقدم. أنا وريث الفكر التقدمي وريث هذا الوعد الفريد بالمدينة العادلة والفاضلة، إنه وعد سيظل خالداً، مادام لم يتحقق، يمكن تجاهله ولا يمكن محوه، يمكن أن نشعر بالحداد تجاهه، ولكن لا يمكن إنكاره… إنه إرثنا ومسؤوليتنا، “فلا إرث بدون مسؤولية… وكل إرث هو دائماً تأكيد على دين”… كنا نرى سعادتنا في تحقق مدينتنا الفاضلة والعادلة، هل أصبحنا مجانين السعادة؟ أو لم يقل نيتشه إن المجانين بالسعادة خير ممن يجنون بالشقاء، والراقص متثاقلاً، أفضل ممن يتعارج في مشيته… كما أن الاعتقاد بوجود خير أسمى أكثر جنوناً من الاعتقاد بوجود شر أسمى (بارت). لقد خرجت المدينة من مقام اليوتوبيا (المدينة الفاضلة)، لكي تقع في مطب الديستوبيا (المدينة الفاسدة). أصيبت المدينة بالمسخ. وها نحن نجتر خيبة الماضي الحالم، وبؤس الحاضر المفرط في واقعيته، وسديمية المستقبل، المفتوح على كل الاحتمالات. من هنا يمكن أن نتفهم السياق الذي ظهر فيه الجيل Z وكأنه بمثابة رفض للاستمرار في الواقع الممسوخ، واسترجاع الحق في الحلم بالإصلاح، وعلى رأسه التعليم والصحة.

تعيش المدينة حالياً خلطاً، يساهم في تعميق المسخ، إذ لم تعد المدينة تحيل على مرجعية الساحة العامة، وما تحمله في رمزيتها من التداول في تدبير الشأن العام، بل أصبحت مخترقة بما كان يحدد كشأن خاص له فضاءه الخاص (الأسرة)، بل أكثر من ذلك أصبح الخاص يطغى على العام في المدينة. وتطغى الخدمة الذاتية على المشترك. وهذا ما يتجلى بشكل بارز في المدينة الرقمية، التي عوضت المدينة السياسية، وعوضت العقل السياسي بالعقل الإعلامي، وعوضت الجدال العمومي بالجدال العامي. تمتح المدينة الرقمية غايتها من البعد الاقتصادي والاستهلاكي، لذا فهي تنشغل بهناء الفرد لا بسعادته، إنها مدينة تقتل في الفرد الحلم بالتغيير، وتدفعه دفعاً إلى تأمين ما لديه، أو السعي نحو التأمين ضد ما يمكن أن يلحقه من تغيير، إنها تدجن الفرد حينما تحوله من فرد حالم إلى فرد خائف.

كانت المدينة وعداً وغاية مثالية، وكان الكوني عبارة عن فكرة، وعندما تحققت في العولمة، تم نفي المدينة وانتحرت الفكرة، وضاعت الغاية المثالية، أو انتهى زمن العلة الغائية…. لقد انتصر الإنسان المهيمن والقوي، وهو الآن يقود مجرى التاريخ، كما انهزم السياسي لصالح الاقتصادي، الذي أصبح يقود حياة الناس.

يبدو أنه ليس لكل مقام مقال، فنحن بصدد خطورة اختزال المدينة في البعد الواحد والمقام الوحيد: المكاني واليومي، وفي تقلص حجم حضورها في المقامات الأخرى، الثقافية والفكرية والسياسية، حيث خفوت المقالات، فلم يعد لكل مقام مقالاً، بل بدت باقي المقامات لا ثلة مقالات لها…

تحتاج المدينة إلى الشجاعة، في مقاومة المسخ، والدفاع عن الحقيقة وعن الحرية. هل نهاية الشجاعة تعني نهاية المدينة؟

كيف يمكن الحديث عن مدينة، لم يتغلغل فيها الفكر النقدي؟

كيف يمكن الحديث عن مدينة، تغلغلت فيها الأرقام وتقلص فيها النقد والسرد؟

كيف يمكن الحديث عن مدينة، تعادي الديمقراطية والحرية والجدال العمومي؟

كيف يمكن الحديث عن مدينة، تكره الحلم، ترفض الأمل، وتخشى الشباب؟

<

Offcanvas bottom
...
عرض كامل
مفضلاتي
الرئيسية
القائمة

جميع الحقوق محفوظة ل

أخباري

تطوير انفينتي ثيم